علي محمد علي دخيل
434
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي أرض الشام لأنها كانت مأواه ، وكانت الريح تجري في الغداة مسيرة شهر ، وفي الرواح كذلك ، وكان يسكن بعلبك ويبنى له بيت المقدس ، ويحتاج إلى الخروج إليها وإلى غيرها ، ويجتمع معه جنوده ثم تحمله الريح إلى حيث أراد وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ فإنما أعطيناه ما أعطيناه لما علمناه من المصلحة وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ أي وسخّرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر فيخرجون له الجواهر واللآلئ والغوص : النزول إلى تحت الماء وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي سوى ذلك من الأبنية كالمحاريب والتماثيل وغيرهما وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ لئلا يهربوا منه ، ويمتنعوا عليه وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أي واذكر يا محمد أيوب حين دعا ربّه لما امتدت المحنة به أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ أي نالني الضرّ ، وأصابني الجهد وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي ولا أحد أرحم منك . وهذا تعريض منه بالدعاء لإزالة ما به من البلاء وهو من لطيف الكنايات في طلب الحاجات ، ومثله قول موسى : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي أجبنا دعاءه ونداءه فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ أي أزلنا ما به من الأوجاع والأمراض وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ قال ابن عباس وابن مسعود : ردّ اللّه سبحانه عليه أهله الذين هلكوا بأعيانهم ، وأعطاه مثلهم معهم ، وكذلك ردّ اللّه عليه أمواله ومواشيه بأعيانها ، وأعطاه مثلها معها رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي نعمة منّا عليه وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي : موعظة لهم في الصبر والانقطاع إلى اللّه تعالى ، والتوكل عليه ، لأنّه لم يكن في عصر أيوب أحد أكرم على اللّه منه فابتلاه بالمحن العظيمة فأحسن الصبر عليها ، فينبغي لكل عاقل إذا أصابته محنة أن يصبر عليها ولا يجزع ، ويعلم أن عاقبة الصبر محمودة وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ أي : واذكر هؤلاء الأنبياء وما أنعمت عليهم من فنون النعمة ، ثم قال : كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ صبروا على بلاء اللّه ، والعمل بطاعته ، فأما إسماعيل فإنه صبر ببلد لا زرع به ولا ضرع وقام ببناء الكعبة ، وأما إدريس فإنه صبر على الدعاء إلى اللّه وكان أول من بعث إلى قومه فدعاهم إلى الدين فأبوا فأهلكهم اللّه تعالى ورفعه إلى السماء السادسة وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا أي وأدخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من الأنبياء في نعمتنا ، وأراد غمرناهم بالرحمة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي إنما أدخلناهم في رحمتنا لأنهم كانوا ممن صلحت أعمالهم . 87 - 90 - ثم ذكر سبحانه قصة يونس عليه السلام فقال : وَذَا النُّونِ أي واذكر ذا النون ، والنون الحوت ، وصاحبها يونس بن متّى إِذْ ذَهَبَ أي حين ذهب مغاضبا لقومه ، أي مراغما لهم من حيث إنه دعاهم إلى الإيمان مدة طويلة فلم يؤمنوا حتى أوعدهم اللّه بالعذاب فخرج من بينهم مغاضبا لهم قبل أن يؤذن له فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي لن نضيق عليه . عن عطاء وجماعة من المفسرين ، وقيل : ظن أن لا نقضي عليه ما قضيناه ، والقدر بمعنى القضاء ، عن مجاهد وقتادة والكلبي والجبائي ضيّق اللّه عليه الطريق حتى ألجأه إلى ركوب البحر ، ثم قذف فيه فابتلعته السمكة فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، عن ابن عباس وقتادة ، قيل : كان حوت في بطن حوت ، عن سالم بن أبي الجعد أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ لما أراد السؤال والدعاء قدّم ذكر التوحيد والعدل ثم قال : إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ أي من الذين يقع منهم الظلم ، وإنما قاله على سبيل الخشوع والخضوع لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ أي من بطن الحوت وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ أي ننجيهم إذا دعونا به كما أنجينا ذا النون . ثم قال سبحانه وَزَكَرِيَّا أي واذكر زكريا إِذْ نادى رَبَّهُ ودعاه يا رَبِّ لا